يوم أن خلت الديــار ..!!
بعد صلاة العشاء .. كانت القهوة قد أُعدت ، و اجتمع كل من في البيت حولها ، و كانوا ينتظرون قدومه : ليودعوه !
تأخر قليلاً .. فأنسحب البعض بعد أن ملّوا دور الإنتظار ، فأنسحبتْ من المجلس بقلبٍ متوجس و تائه : كيف سيكون وداعه ، شقيق الروح ؟!
استدارت ناحية الباب .. فإذا به يقف هناك ينظر للفراغ ، و ينزع حذاء رجليه .. يتيه بالنظرات كي لا تسقط في عينيها : تقدم .. و قبل رأس والده ، ثم استدار .. كانوا الصغار يجلسون بالقرب من والده ، نهضوا مسرعين فـ صافحهم ، و حين كانت يده تنسحب من يديّ آخرهم .. كانت هي التالية ، فتنحى عنها بعيدًا وَ ذهب ليلقى البقية !
كسرت نظرة عينيها ، و أسرعت للمطبخ .. كان هو أقرب ملجأ لها ، لتداري دمعة من عينيها خانتها دون أن تملك زمام السيطرة و الإنضباط .. سحبت منديلا بسرعة و حاولت أن توقف انهمارًا ليس من شأنه إلا أن يردي بما تبقى من قلبها هالكًا فتلحق هي به !
خرجت .. و اتجهت إلى حجرتها ، و أغلقت الباب بإحكام .. كانت أمام خيارين .. إما أن ( تتناسى ) كل ما قد كان ، وتذهب لتجالسهم ، فتحاول أن تحظى بما يريح القلب من بعض العناء قبل الرحيل .. و إما أن تظل في مكانها و تسلم مقادير ما سيجري لرضا أقدار ربها ..
حين همت لتذهب إليهم .. حيث يجلس ، تشبث الخوف بقلبها .. و جزع : ماذا لو خاتلها النظرات ، و كره أن يتلاقيان أمام أعين الجميع .. كيف سيكون موقفها أمام الجميع ؟ كيف ستمنع عينيها من أن تفيض .. و كيف سيتحدث الصغار عما سيشاهدوه ؟!
تراجعت .. و جلست وحيدة ، ترقب و ترجو . حين لم يقترب أحدًا ، انحنت تُطل من تحت فرجة الباب ربما هناك أحدًا بالقرب ، ستأتي به اللحظة القادمة .. و حين تمعنت ، لم يكن هناك سوى الخواء !!
عادت لفراشها .. جمعت في رئتيها قدرًا كبيرًا من الهواء الذي حملته لها النافذة .. مشبعًا بحرارة أرض الرياض و جفافها ، و حاولت أن تتحكم بعينيها فلا تبكي !
ملت الإنتظار .. أو أن قلبها تنبأ بما كان يخاف منه .. نهضت مسرعة وخرجت من غرفتها ، سبقت بنظراتها خطوات أقدامها .. تلفتت ، جالت النظر في صالة الجلوس ، توقفت عند باب المجلس : لا أثر لحذائه !
تمعنت في الجالسين .. كانت الوجوه واجمه ، وكانت والدته : تبكي ، و تسد بيديها مداخل النور لوجهها .. تحاول أن تخفي دمعًا ما كان ليخفى ..!
رحـــل .. و خلف الحزن يعصف بقلوبًا تعلقت به زمن طويل ، حين كان منذ صغره الأب حين غاب .. و الأخ يوم أن انيطت به هموم البقية .. و الراعي لمملكة أكبر من أن يستطيعها ..!!
رحــل .. دون أن يودعها ، أو يترك لقلبها نظرة وداع تستدفء بها .. فتهجع إلى أن يعود ، رحل وهو غاضب منها .. لأنه لم يفهم قلبها .. و لأنها لم تفهم عقله !
جالت بخاطرها ذكريات أشد فتكًا من سهام النواظر حين تعبر القلب : حليب الشوكولاتة الذي كانت تظن أنه متعة الحياة ، شهادة الصف الخامس الإبتدائي حين كافئها عليها بـ عشرة ريالات ، الجمس القديم الذي كان ينقلها به من المدرسة للمنزل تحت حرقة شمس الرياض القاتلة ، جهازه الـ بيجر الذي جاهد مرة في تحفيظها رقمه الطويل .. المرحلة المتوسطة و بدايات الإعتزاز .. الثانوية و محاولات كسر تأخيرات الصباح و الإنسلال من سوط لسان المديرة كل مرة .. الكلية التي جاهد واياها لمدة أسبوع كامل يتابعان كيف سار أمر القبول .. و أول صورة ألتقطتها له بجانب عروسه في يومٍ شهدتها نجوم السماء قبل بدرها ..!
حين أدركت أنه الرحيل .. امسكت بهاتفها ، و حارت كيف تبدأ ؟
فكتبت له رسالة مثلومة ببيت شعري مكسور .. و انتظرت أن يجبر كسر فؤادها بأي كلمة كانت ستريحها .. انتظرت ، ولا من رجعٍ للصدى !
تلفعت تحت غطاء فراشها عن الأعين ، و بكت كما لم تبكي الخنساء مفقدَ صخـرًا ..!
الساعة .. يتم أربع ليالٍ من الرحيل ، و تتم أربع ليال عهد للبكاء ..!
كتب بواسطة منى المطلق • الرابط الثابت •


