مـــريم
كنت أنقل بصري .. في زوايـا الغرفة ، التي ما يزيدني الجلوس بها إلا ( بؤس ) واصفرار وُسمَ بلون الكراسي التي خُيل لي أنها مريضة بزرقتها الشاحبة . سـاعة الحائط تماشت مع دقات قلبي ، ببندولها الرفيع .. وصوتها الذي طغى على الهدوء .. لا أدري أكانت تبكي ، أم تغني .. أم هي تسبح الله كما يخبرني أخي دائمًا .. نافذة صغيرة في يسار الغرفة .. جهاز معقم صغير عُلق على الجهة المقابلة ، وَ طاولة مستديرة تتربع في منتصف الغرفة ، عليها بعض المجلات ، والأوراق .. أشحت ببصري عنها ورددت : استغفر الله العظيم وأتوب إليه .
لاحظت جيدًا اختلاسها للنظر ، من وراء نقابها تجاهي .. فإذا ما تحركت يمنة ويسرة ، تــرقبني كأنها ولـيد يرقب أمه خشية أن يفقدها ..أرتجف جهاز الهاتف الخاص بي .. نظرت : كانت أختي . وحين أجبت ، صرخت فرحًا لذاك الصوت الطفولي .. الذي عـاجلني بالحديث : كان عبدالله .. ابن اختي . أخذ يتحدث بـسرعة لا استطيع معها إلا أن ابتسم ، وأخفي ضحكة تحاول أن تخونني ، وتصدح في فراغات
العيادة . رفعت رأسي وأنا أحدثه ، انتبهت .. كأنها تضحك معي .. أو عليّ !
أغلقت الهاتف .. عاجلتني : تحبينه ؟
لم يكن صوتهــا .. سوى ترددًا لصوت عبد الله ، بنغمه الرفيع .. وطفولته العذبة ، أجبتها : نعم ..وكـثيرًا نهضت مسرعة ، وَ جلست بالقرب مني ، سألتني كمن يتلهف منذ زمن ليعرف أن أنه أنتصر في معركة تعني له ( الحيــاة ) .. ما اسمك ؟
خلعت غطائي ، وأجبتها : منى .. تأملتني .. وأطالت ، حتى خلتني قد نسيت أن أخفي أحد مظاهر التوتر ، من على وجهي .. أنزلت غطاءها وقالت : وأنا مـريم ، مدت يدها وهي تبتسـم . صافحتني ، وضحكنا دون أن ( أفهم ) لم ؟!!
اخبرتني .. أنا من الطائف ، جئنا قبل أسبوع للرياض . ابتسمت وأنا أنظر لشغف في عينيها ، وابتسامة تملأ محيًا طفولي .. لا أدري ما الذي يدفعها للتحدث مع ( غريبة ) عنها .. جسدًا ، وموطن .. و الانـطلاق بالحديث كسيلاً ينهمر ليلة عطش .. علقتُ قائلة : أهل الرياض يهربون من شمسها .. وأنتم ترمي بكم الأقدار هنا ، وفي أشد أشهرها حرارة !!
- لم نأتي للتنزه ، ولا للسياحة .. لدينا عمل سننهيه ، أنا .. وأبي ، ثم نعود . صمتت قـليلاً ، ثم أتبعت " : بيتي هـنا ، جئنا لننهي بعض الأمور ، زواجـي سيكون قبل رمضان بـ ثلاثة أيــام . أصلحت من وضع عباءتها وابتسمت . باركت لها ، وأنا أتأملها .. طفلة أمامي ( تحاول ) أن تتجسد بروح امرأة كبيرة ، تخـونها ابتسامتها الطفولية .. وأحاديث كثيرة ، تـنساب .. لا تلجمها رهبة المكان . وجمال رباني .. كـما الخيال حين تحاول أن ترسمه .. فتفشل ، وتوقن أن الملائكة ، خلق الله !
اسهبت تحدثني عن ما رأته في رياضنـا .. تك المدينة التي ما أن وطأتها قدماها حتى ارتسـمت معها ( الآمال ) والأحلام ، بأجمل ثيابها .. كليلة عيد مقمرة . الــرياض .. مدينة الجفاف ، والقشور الواهية ، رأتها جنة الدنيا في عينيها .. هنا سينشأ عشها ، وتهدأ أنفاسها في ايـقاعات تلك الليالي .. الحالمة .
سألتها عن وظيفة زوجها .. فأخبرتني أنه طبيب علاج طبيعي ، وأنه " (رجل ) والنعم فيه " ابتسمت لها .. و ودعتها وأنا أصلح غطاء وجهي ، حين سمعت الممرضة تنادي بإسمي !
***
مفترقات الحياة .. لذعتها عجيبة ، حيث ما تنقلت .. و عشت فيها ، تـرسم لك آفاق الـدهشة . تعيش فيها ( الألم ) في لحظة سبقها أغاني الفرح وتراتيل السعادة . تتلقفك الرياح ، بين طرفة عينٍ وانتباهتها .. حين تكون في قاع من الوجع ، تطير إلى جسور من السعادة التي لا تظنها زائلة .. فيسحقك الوجع مباغته .. مباغته !!
ومن العجب أن تُـلقي بي ، إلى لقاء ( مريم ) مرة أخرى ، بعد يومين .. في ذات العيادة ، عــجائب الأقدار دون ميعاد مسبق . عرفتني سريعًا وكأننا تحدثنا الآن .. كانت أسرع انطلاقا ، وأكثر شوقًا لحديث متلهف . لم نكن وحدنا هذه المرة .. كانت غرفة الانتظار شـبه مليئة بالمراجعين . أجلت النظر حولي .. الصـمت في كل مكان ، خطر ببالي : بما يفكرون ؟!
فلم أهتدي إلى ( مجمعٍ ) لـصواب فكرة ، غير أن صوتًا صغيرًا يتهدج بـسؤال تطل من جنباته امارات بكاء : هل سيؤلمني الطيب ؟ ماذا سيفعل؟ هل سيضع لي دواء ( يع ) ؟! طفلاً كان .. ربما في الرابعة من عمره ألـقاها كومة من الأسئلة على أمه القابعة أمامي .. وأظنها ( عمدًا ) تتجاهل أسئلته .. وهو يلح !
ألتفتت إلى مريم .. كانت تنظر إلى ساعتها ، سألتها : هاه ! لم موعد آخـر ؟ .. وكنت أظنها لن تأتي ثانية ، إذ أنها كانت هنا المرة الماضية من أجل أن تضع في مقدمة أسنانها .. ماسة ، لا يخبـو ضوءها ، كلما ( اشـرق ) ثغرها فابتسمت . اجابت : فجأة .. نزيف في لثتي أوقف الطبيبة المرة الماضية عن العمل أعطتني مسكنًا .. وهذا موعدًا آخـر !
أحسست بها ( تبتسم ) من وراء حجـاب يفصلني عن نـور وجهها .. سرقتني الأفـكار إلى ما لا شـط له ، وأضحيت بعيدة روحًا ، قريبة الجسد من دفء قلب مريم .. تلك الصغيرة الحنون .
انتبهت .. كانت تسألني عن دراستي ، الجامعة ، الطالبات .. وسبرنا غور أحاديث كثيرة . مريم ستكمل دراستها الجامعية هنا ، وربمـا ستكون زميلة لي في ذات الجامعة ، حين كان يجب عليّ أن أرحل ، وقبل أن أولي قافلة .. نادتني : منى ، ممكن طلب ؟
في تلك اللحظة .. ما كان أسعد على قلبي ، أن أحققها لها شيئًا تتمناه ، أريد أن أهديها شيء تستحقه ، مقابل كل جمالها الدفاق . عاجلتها : لك اللي تبين .. آمري ؟
أمسـكت بيدي .. وهمست : أريد رقـم هاتفك .. إن لم يكن في طلبي نوع من الإحراج .تناولت هـاتفها ، دونت رقمي وكتبت لها ( منى التي تحبك ) !
حين وصلت المنزل ، انشغلت عن هاتفي ولم أكن لأفطن إليه ، وقبل أن أنام .. حين كان يجب أن أتلو آياتي على صغيري ، نظرت إلى هاتفي .. فوجدت رسالة نصية ، من رقم مجهول : " وأنا أحبك .. ونـزفت لثتي للمرة الثانية =( " !
***
الحيــــاة .. حين تدخل معتركها ، تشغلك عن كل ما حولك . لا تدري كيف ينقضي الوقت ، وتمضي الأيام تباعًا .. لا تشعر بسفينة العمر تجري بك ، كربان تائه .. تتلوى صراعًا بين الأيـام ، وما تُلقي هي لك بالا . ترميك بوادٍ سحيق ، لا مغيــث .. لا معيــن .. إلا [ رب ] ترجوه !
***
أحداث جديدة (1) .. على شاشة هاتفي ،
* من : مريووم
" هني من عاش من الناس شـرواك
في ذمتي يعيش والراس مرفـوع
تبقى عزيز وتعجبني مزايـــاك
ياللي بيمناك اجزل الطيب مطبوع
عسى البلاوي والمصايب تعداك
وتصيب ناس عنهم الطيب مقطوع "
* أنا :
" أحبتس يا جميلة "
* مريووم :
" عندي مفاجأة ^^ "
* أنا :
" شووو ؟! "
* مريووم :
" مريم بتدرس بجامعة منى
"
* أنا :
" بتنور فيك .. يا سعدنا "
وانقطعت الأيام التي وصلت بيننا بعدها . بعثت لها برسالتين أو هي ثلاث ، لم ألقى فيها صدى يستحث الحياة ، فقلت لنفسي : ربـما أشغلتها الحياة ، وألتهيت أنا عنها
***
1 / 9 / 30 هـ
كل شيء حولي يعبق بالجمال . حتى الوقت الذي يصبح منذ أول أيام رمضان في تخبطٍ عجيب . صباحه الناعم ، وتلك الساعات الأخيرة قبل آذان المغرب فيه .. التهاج القلوب بالدعاء ، وتحري الصغار للآذان .. حكايــا المغرب ، وصلاة التراويح .. وقت السحر ، و نشـوة الصيام في أوجها .
بعد صلاة التراويح .. أمسكت بهاتفي أنظر في قائمة الاسماء ، التهنئة بــدخول الشهر ، لا أظن أن أحدًا من القائمة سيستثنى ، كتبت تهنئة ارتجالية بسيطة ، وصفت فيها شعورًا صادقًا .. وكللتها بدعـوات . بعثتها على مجموعات .. حين وصلت للصديقات ، من بين تلك الأسماء قرأت ( مريووم ) وَ ابتسمت ، جال بي خـاطر .. اليوم تكمل أربعة أيام مختلفة ..من تجربة جميلة ، فاستثنيت اسمها وتريثت في الإرسال : ستكون لها رسالة خاصة ، لأن قلبها يستحق .
وحين انتهيت من الجميع .. كتبت لها : " اللهم إني أحب أمتك هذه فيك ، فأحبها .. و بارك لها في شـهرها ، وتقبله منا ، ومـنها .
/
رمضانك مبارك يا عروسة "
***
بين ردود الـرسائل الكثيرة التي وصلـتني .. الطويلة والقصيرة منها . ما شككت بفـرحة أحدهم بـدخول رمضان . وحدها رسالتها كان تشي بشيء بدا لي غريب .. أو هكذا ظننت .. حين فتحتها كانت تحــوي كلمتين " رمضانك مبارك " فقط !
و لا أدري .. لم قلبي ( يحب ) أن يمارس فصول ( القلق ) بحِرفية عالية .. وَ أسبابِ واهية أحيانًا .. أو ربما أسباب ( تستحق ) ! نـويت الاتصال بها .. و خشيت أن أخطأ تقـدير الوقت المناسب ، فتريثت قليلاً .. ثم ألـغيت الفكرة .. و اكتفيت برسالة أسأل بها عن أحوالها .. و كيف غدت ؟! فعاجلتني : " أحتاج الدعاء .. لا تنسيني عند فطرك
"
كأن قلبي .. كان يحدثني ساعتها ، ما كان ( القلق إلا نتيجة حتمية لتوجسي من أمر ، كنت أعلمه ! )
حاولت أن أسألها ، أستفسر .. " عسى خير ؟ " ولم تكن لتجيب ، فيهجع قلبي ! حاولت الاتصال بها .. فـلم تجيبني !
أشغلت نفسي ببعض أموري .. ولم أكن لأطمئن ، كررت الاتصال ، فأغلقت هاتفها .. !
صليت الفجر .. و جلست في سجادتي أفكر ، قلبي مشغول ، وألف فكرة وَ فكرة تجول .. ولا من اطمئنان فيسكن القلب . انتهى اليوم سريعًا .. وحين كان الغروب ، تذكرتها .. فدعوت لها وأنا لا أدري مـاذا يجري لقلبها الصغير .
عند الساعة الثانية والربع صباحًا .. سمعت صوت هاتفي ، وتركته عمدًا : لم أكـن بمزاج جيــد لأطلع على رسالة في تلك الساعة . لكني مددت يدي لأقرأ ، اذ بها مريم !
" ما كان هناك فرحٌ يا منى . كان بعضًا من الأسى ، وشيئًا من الوجع .. وَ موجات بكاء شــذبت فؤادي !
ضحكت .. لا أحسب حساب الغد . بعد ذلك اليوم في العيادة ، تغير كل شيء .. الآمــال ، والـزواج ، الدراسة والمستقبل . قالت الطبيبة ، بعد عدة فحوصات أثارتها دمـاء متطفلة ، أن في الأمر مشكلة ما .أسبوع من الترقب ، والخوف .. تعلمين ما حصل ؟! يجب ألا أغادر الرياض .. ليس لزفاف استعد له ، لكن لـسوادًا تربص بي دون أن أعلم ، فلطخ بياض الفرح .. بألم ، و وجع ، وعقل ما عاد يفهم ما يجري !
الـدم .. ملوث يا منى بخبث مرض ، أرادني أن ( أستوطن ) الثرى سريعًا .. وأتـرك ورائي دنيًا من غرور ،
يقـولون : سنبدأ برنامجًا للعلاج " الكيميائي " بعد أن يكملون توقعاتهم .. ونـظرياتهم فوق جسدي الصغير دعواتكِ لي ! "
- …………………. !!!
كتب بواسطة منى المطلق • الرابط الثابت • 411 مشاهدة • اكتب تعليق »



نجلاء حسين قال:
منى..
1 / 9 / 30 هـ عند هذا السطر تحديداً وقفت ..بكيت.. وبالقلب سؤال: أأدركه لعامٍ آخر قادم؟
حتى إذا ما اكملت السطور…….
ما بقلبي إلا:
يا ربها وربنا… رُحماك وعفوك والجنة…
شافاها الله وعافاها ..
منى,
قبلة على جبينك يا (قلب) من بياض
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 4:48ص
NjOoo قال:
كنت انتظر هذا النص .. واوجعت قلبي:(
يارب تشفيها وتعافيها وترجع تفرح قلبها من جديد،إنك قادر على كل شيء!!
منايا،، لقلبك (وردة)
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 6:04ص
سليمان قال:
الله يرفع عنها، ويجمع لها بين الاجر والعافية.
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 2:54م
هند قال:
:”(
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 3:10م
نور قال:
يااااااه يا منى :&
بكيت من كل قلبي
اللهمّ اشفِ مريم وعافِها وأغنها بشفائك عمّا سواك ……
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 3:48م
Hanan قال:
سبحان مُغير الأحوال
الله يصبرها ويهون عليها ويشفيها من كل مكروه
الإثنين, 19 أكتوبر 2009 @ 7:11م
مرفأ الأمل قال:
السلام عليكم
سبحان الله! هذا حال الدنيا
طُبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأكدار
طرح إنساني مؤثر ، أرجو من الله لها الشفاء
وعلى هامش الموضوع أجدني معجبة بطريقة عرضك ,وبراعة قلمك
مصافحة أولى لمدونتك مع أمنياتي لك بالتوفيق الدائم
الثلاثاء, 20 أكتوبر 2009 @ 12:11ص
Bent Dadi قال:
اللهم اشفيها يارب وعافيها واعفو عنها يارب,, مره انصدمت في نهاية النص
!!
الخميس, 22 أكتوبر 2009 @ 5:05ص
عِ ـبق ..! قال:
طال انتظاري لهذا النص الذي لطالما توقعته مختلفاً … كما هو
ياااارب عجل بشفائها ومتعها بشبابها ..
حزمة بنفسج لروحكِ منوو ()
الخميس, 22 أكتوبر 2009 @ 7:20ص
almuna قال:
* نجلاء حسين /
آآمين آآمين يا نجلاء ،
شكرًا لأنك هنا يا حبيبة ..
*NjOoo /
تأخرت به :$
وأدرك شغفك يا قلب ..
لجمالك ()
* سليمان /
آآمين .. شكرًا لك .
* هند /
و قولي : ياربها ، كلما مررتِ
*Hanan /
سبحـــانه .. آمين ،
حُييت حنان ()
*مرفأ الأمل /
آآمين ياقلب ..
سعيدة بوقوعك فيّ هنا
سعيدة بحضورك و أثرك ..
حييتِ ()
* Bent Dadi /
مطبوعة على كدر ..!
سعيدة لأنك هنا هدول :]
*ع ـبق ..! /
أمجادي ياجميلة ..
تأخرت به كثيرًا ، لأني أردته أن يكون
كما تتوقعين . أشعر بقليل من الخذلان ،
الواقع كان أكبر .. و ما استطعت أن أضخ
كل كمية تلك المشاعر فيه ..!
لكني سعيدة بك هنا ()
الخميس, 22 أكتوبر 2009 @ 12:25م
همس الأيام قال:
لا أخفيكي سراً بكيت بحراره هنا بين سطورك
احسست بها وبألمها هنا وربما الخوف
الذي اصبح له جبروت يفوق ذلك الألم ..
تحتاجنا الآن بدعائنا .. ا
للهم عجل بشفاء واشفي جميع مرضى المسلمين
الخميس, 5 نوفمبر 2009 @ 11:55م
نوفه قال:
يا الله
و كأنها قصة من الخيال
لا حول و لا قوة الا بالله
اللهم كن معها و أرأف بها و أرحمها
و أشفها عاجلاً غير آجل
الإثنين, 23 نوفمبر 2009 @ 7:34ص