ما الدنيا بدار بقاء ..!

أســبوع  مضى .. لم يغلق فيه باب منزل جدي . فلول المعزين كانت أكبر من أن يستوعبها المجلس
الكبير الذي لطالما ضربنا به الأمثال .. في العظمة والأتساع !

الخامسة والربع .. من عصـر الجمعة الماضية قُرر أنه فارق الحيـاة ، على ( كتف ) إبراهـيم .. ذاك
الشـاب الـضحوك ، الذي ما ظننت أن دمعته تزل من محجريها في يوم من الأيام . عمي كان بالـقرب ،
بين أبيه مفقود ، و ابنه مفجوع ،  توارى عن المشهد ، و أنزوى .. بعث برسائل نصية للجميع  ” والـدي
متعب جـدًا ” !

الخميس .. سبقه بيوم ، كنا في استراحتنا . الـمفارقة .. أن ( الجميع ) بلا استثنـاء كان هناك رغم
أنه كان اجتماعًا دوريًا أُعتيد عليه ، بينما (يتكاسلون) دائمًا في الذهاب إليها .. تحججًا ببعدها المبالغ فيه ..!

اجتمعوا .. كما يفعلون عادة ، على ( الدكة ) يتحلقون حول جدي .. أبناءه التسعة ، أبناءهم .. وأبناء
أبنـاءهم أزواج بناته ..حيث ما يمم الطرف منهم ، لا ينتهي .. يذكر ربه ، ويهلل ويهلل .

أيامه الأخيرة .. نسـي ( كل ) شيء .. لم يعد يعرف من يصافح يديه . ينظر إلى أبناءه ، بناته . زوجاته
ولا يفهم من أولئك الناس ؟!  يسأل عن والده إبراهيم  ، عن جدتي ، عن إخوته ، كل ذاك ..  وقد نسي
تمامًا أنه تقبل فيهم العـزاء يوم أن رحلوا !

لا يتذكـر ما اسمه ، ولم الـجميع يتحـدث من حوله .. فقـط يُـسمع صوته عندما ( يـحين )  وقـت
الصلاة ، فينادي : إبراهيم المسجد . ذاكرته ، والحيـاة ترفضان الانصياع ثانية .. أو الاندماج كما كانا ،
فقط أبقته الذاكرة أن لا ينسى أمرين : الصلاة في وقتها وَ إبراهيم !

تتابع الوقت .. يسرقه منا ، ولا نحس . ألبسوه ( نظارة ) شمسية مـازحين .. ثم ضحكوا ، وربما ضحك
معهم ، تناقلنا الصـورة ، تـلك التي بـلغت في عيني ( قـدرًا ) من الـجمال ، والـهيبة .. وَ الشموخ ،
فنصبتها خلفية لـهاتفي ، واليوم .. يخبروننا ” ولو كنتم في قصورًا مشيدة  ” .

منذ أن وصلني الخبر .. ولا مشاعر تثور ، أو جفن يرف . كأني لم انتمي لذاك الرجل بصـلة ، أو أعرفه
في يوم . تحشرج الهواء .. وما كاد ليصل رئتي . لكني رغم ذلك ظللت أنظر إلى أختي .. تبكي بجانبي و
تشيح النظر ولا استطيع أن أتفاعل ، أو أتأثر بحقيقة الموقف .

ماذا يعني ( الرحيـل ) حين تدرك أن جمال الحياة ( انتهى ) .. وأن ما من شيء ، غدا ( يـستحق) أن تبذل
لأجله ، وتكافح بـ ( صبر ) يوم أن تضيق بك السبل ؟!

المشاهد .. بدت مسرعة أكثر من أي وقتًا مضى . البيت في حالة تشبه الوعي ، أو هي ( غـفلة ) ونصف
استجابة من الجميع . أخي .. يصرخ بكل من يراه : أسرع ، سنتأخر . يلقي نظرة على ساعة يده ..ويواري
دمعة لم أرها ، لكني اشتممتها في حشرجة صوته .. ذاك الذي بدا لي كأنما ( يجتره )  .. من قـاع سحيق
خرجنا مسرعين ، أسير نحـو الباب ، فلا أرى ظلاً لي .. الشمس  تتـعامد ، فتنصّب كـ( لهيب ) المراجل
فوق رؤوسنـا . حين كنا في السيارة ، تلقى أخي خـمس ، أو هي سـت مكالمات : غـيرنا الوجهة ، لا
تـذهبوا للمسجد .. أبي في المنزل للسلام عليه !

في تلك اللحظة .. شعرت بالرعب ، وكل ما أعرفه أن أخي لم ينصاع لـ إشارة مرورية واحدة .. أشارت له
بالتوقف، الشوارع كانت شبه خالية ، و البؤس حيث ما يممت وجهك أظنك تراه ، ولا أدري أكان الـــجميع
يشاركنا حزننا ؟ أم أنني أتخيل ..!

وصلنا المنزل الكبير ..الأشجار كانت صامتة ، تنشج .. وتنتحب الأبواب مشرعة ، السيارات تعرقل الوصول
للمدخل ،  نزلنا مسرعين ، وحين دخلنا .. رأيت الجميع . فناء البيت الخارجي .. رغم اتساعه ، إلا أني رأيت
فيه ما لم استطع أن أميزه ، كثيرون ، وأخي يدفع بنا للأمام : تقدموا للداخل .. الوقت متأخر !

دخلت بخطى متوجسة ، لم أكن أعلم أين هو بالضبط .. أختي من خلفي ، توقفت .. وبكت كما لم تبكي .
صرخ بها عمي : لا مجال للبكــاء .. و لم تكن لتنتهي ، تخطيت العتبات الأربع .. في مقدمة المنزل ،
تلك العتبات التي لطـالما( شككت ) في كونها ذات قيمة ، مع انخفاضها المبالغ فيه .. وكأنها وضعت
ليتخطاها طفل .. في شهوره الأولى . جلتُ ببصري فإذا بهم يجتمعون حوله .. المكان مزدحم ، يصعب عليّ
الوصول . رأيت جدتي ، فألتصقت بها ونظرت : مسـجى هناك ، وقد لف جسده ، يغطيه ( مشلح ) بني ..
الجميع يتحدث ، يبكي .. يترحم . الأصوات تختلـط ، والأنفاس قريبة . أسامة وَ عبدالرحمن في أقـصى
الصالة يحدقان ، ولا يعيان معنى الموت .أنس ينادي ، إبراهيم يمسك بيد أبيه ، يسانده أن يقف .. عبدالمجيد
يتصل بأختي ليستعجلها الحضور ..وَ ( سُياتي ) تلك الخادمة التي يـضاعف عمر وجودها .. ميلادي ، تبكي
بحرقة وتتحدث دون أن أفـهم ما تـقول .. سمعت رحمـات جنة ، ودعاء ..!

أوشك آذان العصر أن يصدح  ، وقف عمي ، أمام نعشه وَ كبر .. ليصلي عليه من يشق عليه الــذهاب
للمسجد ، أصطف الجميع وراءه .. جدتي وعماتي كنّ في المقدمة .. وحين انتهينا ، تقدم الأبناء والأحفاد ..
تلقفوه على أكتافهم وقفلوا به ، موشحين تاركين وراءهم .. قلوب تئن .

كنت مع من ذهب إلى المسجد .. يوم أن دخلت ، وأنا أدفع بوابتـه الكـبيرة .. تخاطفت أمامي الــصور ،
والمشاهد للمرات التي وقف بها أمام هذا الباب . وَ حينها .. سمحت لصدري أن يجهش ببكاء عميق ، وأنا
أؤدي تحية المسجد .

حين انتهيت من الصلاة ، تساندت على الحائط .. مناهل كانت تجلس بجانبي ، لا تقوى أن تـسد باب دمـع
ينهمر ، مها تقف بالقرب تنقل بصرها ..بصمت . بنات عماتي ، وأعمامي .. أقبلنّ وتحلقـوا حولنا . كنت
أنظر للباب .. أعرف وجوه كل من يعبر من هنا .. رأيت خالاتي ، كثير من نساء الأقارب ، ابنة عمي و
َ أهل زوجها  ، وَ كثير آلف صورهم .. لم أرى اجتماعهم ذاك إلا في المناسبات الكبيرة .. كالعيد القادم ..
الذي كنا نتشاور في ( محل ) إقامته هذه المرة ..عـجائب الأقدار بدت مثل عجائب الأرقام ، تتنـحى بنـا
وتلفـعُ وجوهـنا ولا من معين .. غيره سبحانه ، أخفضت طرفي .. وَ طفقت أدعوا  !

امتلأ المسجد ، وأقيمت صلاة العصر .. اصطففنا ، أربـع ركعات .. انتهت ،وجدان ابنة عمي ، تـلك التي
أوكلتها أمها إليّ ، يوم أن تعذر حضورها  ، رفعت بصرها لـي : أول مرة أصلي صلاة الميت !

انتهى كل شيء .. حين ألقينا السلام لمرة واحـدة ، ألتفتت فإذا السواد عظيم .. وإذا بي أبـكي ، وكـأني
أفقد ( نصـله ) من قلبي . أبـكي جـدي والـدي . وأبكي مشـهدًا لـ فتيـات ست ، يجلسن بـــقربي  ..
أكبرهن لم تتخطى العشرين بـعد فقدن أمهن ( فجأة ) فأرتمين ينتحبن ..  ثُكّل ، في زوايا المسجد !

حين عدنا .. دخلنا البيت خاويا . أسامة الذي أتمّ الثلاث سنوات قبل أيام .. كان يتلهف أن يراه يدخـل حين
فتح الباب ، لكنه لم يرى ذاك الشيخ الذي أعتاد أن يراه يبسم له . نوف كانت تنادي والدتها : خـلاص يمه
مات ؟

ولا أدري ( أأُعزى ) ، أم ( أُعزي) .. قابـلت في طريقي عمي ( يوسف ) متلفع الوجه ، مكـسور الفؤاد ،
وهو الرجل ، حين فـجع بالخبر وهو خارج ( أرض )  الـوطن .. عمي فهد ، عبدالعزيز ،عبد الـرحمن لم
يكونوا أفضل حالا .. والبقية ، كانوا كـما الأطفال اليتامى !!

وَ  والدي من كل ذاك .. حكاية أخرى !

اليوم .. يتمّ حبيبي أسبوع تحت ثراه .. وأتم أسبوعًا أدخل فيه لمنزله دون أن يكون جالسـًا هناك .. في
المجلس على اليسار ، وبجانبه ابراهيم ، بمـحياة المشرق . اليوم ، وكل يوم .. تغـشاك رحمة ربي و
مغفرته .

* حين يكون للوجع ( مدن ) أخرى !

- رحمك الله .. يا ( عماه )

- إلى رحمة اله يا فقيدنا الغالي

- و كما يرحلون .. رحل !

rip dad


للعابرين هنـا ..  مباركٌ شهركم

أعاننا الله على صيامه وقيامه .. وكتبنا من عتقاءه .

كتب بواسطة منى المطلقالرابط الثابت

Email This Post

تعليق واحد لموضوع “ما الدنيا بدار بقاء ..!”

  1. .. وكما يرحلون , رحل :( « ظمأ القلب قال:

    [...] وللألم مرافئٌ أخرى : رحمك الله .. يا (عماه) ما الدنيا بدارِ بقاء ..! [...]

    الجمعة, 4 سبتمبر 2009 @ 7:10م

« الصفحة الرئيسية