ثُم .. هو (ابني) !
حينما ينهك ظهره ، بتلك الانحناءة .. التي طالما نهيته عنها ، يكون حينها رجلاً ..بقلب طفل ، قدره أن
يعيش حياته .. كأصعب ما تكون .
في العقد الثاني من عمره ، (ينازع) الخمسة عشر مادة ، في الصف الأول الثانوي ..
خمسة عشر مادة ، موزعة على ثلاثة أسابيع .. تزهق روحه ، وتعطلّ تفكيره.
حيث ما نكون .. أنا ، وهو ، كل يوم في ذات البقعة .. أفرد أوراقي ، وينشر كتبه ، و ما أن أحاول أن
أنتزع شيئًا من قلبي .. لأغدو كائنًا لا يُحس (بعجز) من هو أمامه أدس رأسي بين أوراقي ، وأبعثرها
عيناي كي لا تلتقي بسواد عينيه !
هو أخي .. كتب له ربي ، أن يكون كما البراءة .. متمثلاً في أحرف ضعيفة ، خجلة بمنطق متعثر
وأسقام تطل عليه بين الفينة والأخرى ،وتنشر سوادها على قلب أمي .. فتبكي الألم !
أنا .. وهو ، نُمضي الليلة ، إلى أن يغدو الصباح .. أمسك بكتابه ، ويختلس النظر لأوراقي بدأت
أتعلم من جديد .. كل ما مر عليّ قبلاً .. الرياضيات ، القواعد ، التاريخ ، الجغرافيا ….
وأرانا هذه السنة .. عدلنا عن ذاك .. فخضنا الأدب .. بصعوبة . وَ النحو ، فالرياضيات والإنجليزي
إلى أن وقفت عاجزة ، وإياه .. أمام الكيمياء .. وما أتبعتها من ذاك !
أخي .. يدرس الخمسة عشر مادة ، طوال العام .. بإجتهاد لا يؤاخذ فيه ، سوى قلبه . وعندما يعود
من مدرسته .. ظهرًا ، ينكب عاكفًا لإنهاء تكاليفه .. إلى منتصف الليل ، وحين أطلّ عليه من شق
أحيانًا .. أجده قد نسي الطعام تمامًا !
أخي .. تبرع لكتبه بنصف وزنه ، فغدًا هزيلا ، موجع للقلب ، واهن . نسي – تمامًا – كيف يكون شابًا
ولم يفهم كيف يعيش طفلاً ..
أستذكر أنا وهو .. ليلتنا هذه ، رفع رأسه ، وتأملني ” هل ستنجحين ؟!! ”
: إن تركت الأحاديث المزعجة ، و هدران الوقت .. سأنجح ، وستنجح .
: أستاذ إبراهيم .. قال ” والله لأرسبك ”
: ………. !!
: قال ” أنت غبي ، ولا تفهم ”
و .. بكيت ، كما لم أفعل !
جرح فؤادي ذاك الـ إبراهيم ، و أوجّع مضغتي ، كما لم يفعل ، و(يتجرأ) كــائنٌ من قبل !
كيف يقول ذلك .. لشاب ضعيف ، صُنف لسنوات ضمن فصول للتعليم الخاص ، وحين يريد أن
يكمل ذاك .. يقف ” حاجب المكتبة ” ليتلفظ بها ، بكل قبح ” أنت غبي ” !
مهلاً .. شقيقي ليس غبي ، وما كان يومًا كذلك ! . شقيقي – إن لم تكن تعلم – فردًا منتجًا نافعًا
في المنزل .
شقيقي .. مبدع في الخط ، لحد الدهشة .. شقيقي .. يفهم تمامًا ، كيف له أن يقود سيارة
خاصة به رغم أن لا أحد يؤمن بذلك .
شقيقي أصلح مُسجلي الخاص ، وعطب كان في الإضاءة .. وقفل الباب . وبارع في الطاعة للحد
الذي .. أحبه ، أشفق ، وأدعو .
حين حَرم ربي .. أخي ، من كونه سويًا .. لم يحرمه من أن يجعله جميلاًَ ، وعطوفًا .. كما اسمه
تمامًا . أبتلاه ربي بمنطقٍ مكسور ، وسمعًا قاصرًا . و وجعًا يهب عليه بين الحينة والأخرى ،
فينسى العالم ،ويسقط مغشيًا عليه لساعات .. لكنه رغم ذاك .. منحه قلبًا يعيش صـــحو العبادة ،
ورهبة الرب !
بحثت عن من يكون ، ولم يكون (إبراهيم) جـــلادًا لأخي . فأجده خريجًا وأستاذا (متمرسًا) عمل
لسنوات .. في مجال (خاص) دقيق ، بالفهم والاستيعاب !
عجبي .. وعجبي ،
قف ” إبراهيم “ ، هو أخي .. ثم أنه ( ابني ) !
كتب بواسطة منى المطلق • الرابط الثابت • التعليقات (28) • اكتب تعليق »



